خليل الصفدي
300
أعيان العصر وأعوان النصر
إلى حمص في عشرة مماليك ، وقاسى من التركمان شدة . ثم إنه ركب من حمص هو ونائبها الأمير ناصر الدين محمد بن بهادر آص في ثلاثة مماليك ، ودخل دمشق يوم الجمعة السابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ، فجهز نائب الشام الأمير سيف الدين أيتمش الحاجب إليه ، وابن أخته الأمير سيف الدين قرابغا بقباء أبيض فوقاني ، بطرز زركش ، ومركوب مليح ، ودخل عليه ، وأقام عنده بدار السعادة إلى بكرة السبت ثاني يوم ، وجهزه إلى باب السلطان على يدهما مطالعة بالشفاعة فيه ، ولما وصل إلى لد ، تلقاه الأمير سيف الدين طشبغا الدوادار ، ومعه له أمان شريف مضمونه ، أنه ما كتبنا في حقك لأحد ، ولا لنا نية في أذاك ، فإن اشتهيت تستمر في نيابة حلب ، وإن اشتهيت نيابة غيرها ، وإن أردت أن تحضر إلينا كيفما أردت عملنا معك ، فعاد معه طشبغا الدوادار إلى مصر ، وأقبل السلطان عليه وأنعم ، فوصل إلى دمشق ومعه طشبغا الدوادار ، وأصبح يوم الاثنين جلس في دار العدل إلى جانب قاضي القضاة تقي الدين السبكي « 1 » ، وظهر نائب حلب إلى قاضي القضاة الحنفي وغيره ، وقام من الخدمة ، وتوجّه إلى الجامع الأموي ، وصلّى فيه ركعتين ، ودخل إلى خانقاه السميساطي ، ولما كان عصر الخدمة ، خلع نائب دمشق عليه قباء بطرز زركش ، وفرسا حسنا بسرجه ولجامه ، وكنفوشة الذهب . وتوجّه بكرة الثلاثاء إلى حلب ، وصحبته ابن أزدمر « 2 » مقيدا ؛ لأنه كان طلب من حلب لما شكاه للسلطان ، فرد معه من الطريق ، ولما وصل إلى حلب ، تلقاه الناس بالشموع إلى قنسرين « 3 » وأكثر ، ودخلها دخولا عظيما ، ووقف في سوق الخيل ، وعرى زكري البريدي ، وأراد توسيطه ، ونادى عليه هذا جزاء من يدخل بين الملوك بما لا يعنيه ، فنزل طشبغا وشفع فيه ، فأطلقه وأحضر ابن أزدمر النوري ، وقال : قد رسم لي السلطان أن أسمرك ، وأقطع لسانك ، ولكن ما أأخدك ، وأطلعه إلى قلعة حلب ، وأقام على ذلك إلى أن عزل الأمير سيف الدين أيتمش من نيابة دمشق في أول دولة الملك الصالح ، فرسم للأمير
--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمة له . ( 2 ) ابن أزدمر هو : محمد بن أزدمر النوري ، أحد أمراء حلب . ( انظر : الوافي بالوفيات : 8 / 357 ) . ( 3 ) قنسرين في جبلها مشهد يقال إنه قبر - صالح عليه السلام ، وفيه آثار أقدام الناقة ، وكان فتح قنسر بن علي يد أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه في سنة 17 ه ، وكانت حمص وقنسرين شيئا واحدا : قال أبو المنذر : سميت قنسرين لأن ميسرة بن مسروق العباس مربها فلما نظر إليها قال : ما هذه . . ؟ فسميت له بالرومية فقال : واللّه لكأنها قن سر فسميت قنسرين . ( انظر : معجم البلدان : 4 / 403 - 404 ) .